تصعيد أم تهدئة .. إلى أين أين يتجه الصراع الاقتصادي الصيني مع الغرب تحت إدارة "بايدن"؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى 2001 انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية ومن وقتها بدأ مسلسل الإغراق الصيني بالبضائع الرخيصة بكميات هائلة إلى كل دول العالم التى تقع تحت مظلة اتفاقية التجارة العالمية حيث لا جمارك ولا رسوم ولا تعريفات، سماوات مفتوحة وحدود مفتوحة وبحار مفتوحة، سباق مفتوح والبقاء للأقوى والأقدر والأكثر استعداداً، والصين كانت بالفعل مستعدة بل الأكثر استعداداً على الإطلاق وهنا جذور الأزمة الحالية مع الغرب.

 

كيف وصلت الصين إلى هذه النقطة

 

الصين لا تعتبر نفسها قادماً جديداً إلى نادي القوى الكبري، بل أنها استعادت ما كان لها فى الأصل أي أن الصين ترى فى نفسها دولة كبيرة تستحق مكانة وسط الكبار وأن ذلك أمر طبيعي وما هو إلا إعادة لعجلة التاريخ أو الماضي الذي يذكر العالم كيف كانت إمبراطورية كبرى واقتصاداً قوياً فى قرون مضت.

 

قصة الصعود الصيني المذهلة تبدأ من 1978 حين تولى الزعيم الصيني والقائد الاستثنائي "دينغ شياو بينغ" رئاسة الحزب الشيوعي بعد وفاة المؤسس "ماو تسي تونغ" 1976، حيث أعطى شارة البدء فى برنامج الإصلاحات الاقتصادية التاريخية والهيكلية الذي أطلق العنان للإمكانات الصينية الهائلة وجعلها تتبوأ المكانة الدولية التى هي عليها الآن.

 

النمو الاقتصادي فى الصين 1979 - 2019

 

 

وأثناء انشغال العالم الغربي والقوى الكبرى بتفادي ما يمكن تفاديه من مصائب جائحة كوفيد-19، كانت الصين أقل الخاسرين من الجائحة بمعدلات نمو موجبة، بينما هناك حرائق اقتصادية وركود وقعت فى براثنه القوى الغربية الكبرى في أمريكا الشمالية أو أوروبا وحتى اليابان.

 

معدل الانكماش/النمو الاقتصادي فى 2020

الدولة

المعدل

الولايات المتحدة

3.5 %

كندا

5.4 %

المملكة المتحدة

9.9 %

ألمانيا

4.9 %

اليابان

4.8 %

الصين

2.3 %

 

خلفية الحرب الاقتصادية

 

بدأت هذه المواجهة رسمياً فى عهد الرئيس السابق "دونالد ترامب"، وبالتحديد فى عام 2018 حين أعلن عن مجموعة من الرسوم الجمركية التى ستفرض على عدد من السلع الصينية نظراً لاتساع هوة الميزان التجاري الأمريكي الصيني والتى ارتفعت من 83 مليار دولار عام 2000 إلى 418 مليار دولار عام 2018 لصالح بكين.

 

لكن الشرارة الأولى كانت فى عهد "أوباما" وبالتحديد عام 2011 حين وقع على قانون يمنع استحواذ "هواوي" الصينية على "ثري ليف" الأمريكية، وفى 2013 وقع الرئيس الأمريكي مرة ثانية على قرار يقيد حركة الاستثمارات الصينية حين أصدر قانوناً لتقييد شراء أي معدات أو منظومات من الصين قبل أن تمر على مراجعة دقيقة وفيدرالية.

 

العجز التجاري الأمريكي الصيني

العام

الصادرات الأمريكية إلى الصين

(بالمليار دولار)

الواردات الأمريكية من الصين

(بالمليار دولار)

العجز التجاري

(بالمليار دولار)

2001

19.1

102.2

83.00

2010

91.9

364.9

273.0

2015

115.8

483.2

367.3

2020

122.4

434.7

310.6

 

بالفعل انخفض العجز بمقدار 75 مليار دولار فى 2019 ولكن ليس نتيجة ارتفاع الصادرات الأمريكية إلى الصين ولكن بسبب انخفاض الواردات الأمريكية من الصين بمقدار يقترب من 90 مليار دولار، واستمر التحسن حتى فى عام جائحة كورونا إلى أن وصل العجز فى 2020 إلى 310 مليارات دولار بفضل عودة ارتفاع الصادرات الأمريكية مقابل استمرار انخفاض الواردات من الصين.

 

 

لكن هذا لم يكن كافياً، لأن جوهر الأزمة الأمريكية – الصينية أكثر عمقاً من فرض رسوم أو جمارك وضرائب إضافية لتقييد وصول المنتجات الصينية رخيصة الثمن إلى الأسواق الأمريكية، بل تمتد الأزمة إلى أبعاد أخرى من وجهة نظر الغرب الأمريكي – الأوروبي منها: تدخل الصين فى سعر صرف اليوان، عدم معاملة الصين للشركات الغربية بمثل ما تعامل به الشركات الصينية فى الغرب.

 

بالإضافة إلى دعم حكومي للصناعة الصينية، التعدي على حقوق الملكية وبراءات الاختراع، وأخيراً الارتفاع الحاد والملحوظ فى أنشطة الاندماج والاستحواذ الصينية على الشركات الأوروبية الأمريكية فى قطاعات حيوية مثل الاتصالات والتكنولوجيا والموانئ والسيارات.

 

يقول "بيتر نافارو" الخبير الاقتصادي ومستشار "ترامب" والذي قد ألف كتابين عن الخطر الصيني الكبير على الولايات المتحدة – 28 أبريل 2020: إذا سألتني كمؤلف كتاب "الموت بالصين" و"حروب الصين القادمة"، سواء كنت أثق بالصين أو لا، أود القول ببساطة، إن الشعب الأمريكي لم يعد يثق بالصين.

 

ويضيف "نافارو": إحدى أهم الوثائق التي تم إصدارها هذا العام هو استطلاع بيو للأبحاث الأخير؛ حيث يظهر استقصاؤها المذهل أن أكثر من 90 بالمائة من الأمريكيين يعتقدون الآن أن الصين تشكل تهديدًا، كما أن أكثر من 70% من الأمريكيين عبر الخطوط الحزبية لديهم وجهة نظر غير ودية للصين، إنهم قلقون بشأن الوظائف، والعجز التجاري، والبيئة، وحقوق الإنسان، والجيش.

 

هذه وجهة نظر الغرب، أما من وجهة نظر الصين فترى أن الغرب الأمريكي – الأوروبي يتعسف في استخدام مفهوم الأمن القومي الأمريكي أو الأوروبي لمنع وصول البضائع الصينية إلى الأسواق، وفرض قيود على حركة الاستثمار الصيني الخارجي فى الدول الغربية بنفس الحجة: الأمن القومي.

 

 

أزمة هواوي

 

تأسست هواوي عام 1988 كشركة هواتف أرضية محلية، وبعد ما يربو عن 30 عاماً تحولت الشركة المحلية المحدودة إلى واحدة من أكبر شركات الاتصالات في العالم، قبل إنشاء هواوي وحتى بعد سنوات الشركة الأولى، كانت الصين تعتمد على الاستيراد بشكل كامل فى قطاع معدات الاتصالات والشبكات قبل أن تنجح هواوي وعبر الهندسة العكسية فى دراسة المعدات الغربية وتعلم كيفية صناعتها والخروج بأول منتج محلي فى هذا المضمار.

 

وبدعم حكومي وقروض رخيصة ومدعومة وتيسيرات ومحاباة من الحزب الشيوعي، استطاعت هواوي النجاح فى السوق المحلي ثم اقتناص أول عقد خارجي في هونج كونج 1996 ثم روسيا وتايلاند والبرازيل وجنوب أفريقيا ونيجيريا، ثم الضربة الأكبر: أوروبا في 2001 مع هولندا وألمانيا لتتحول هواوي إلى شريك رئيسي في 14 من 19 صفقة للجيل الثالث للاتصالات داخل أوروبا.

 

وصلنا إلى يومنا الحالي وأصبحت هواوي عملاقاً فى صناعة الاتصالات والشبكات والجوال والتكنولوجيا الفائقة ولديها أصول ونفوذ في عشرات الدول حول العالم تضاهي به كبرى الشركات الغربية وتقدم خدمات أرقى بسعر أرخص ما استدعى التدخل الأمريكي لوقف المد الصيني والتوجس منه.

 

اتسعت قائمة الدولة المتوجسة من هواوي الصينية، إذ انضمت للولايات المتحدة كل من أستراليا وتبعتها نيوزيلندا ثم اليابان وتايوان، ثم الضربة الكبيرة جاءت من بريطانيا، والتي أعلنت حكومتها برئاسة "بوريس جونسون" أنها ستحظر مشاركة هواوي في شبكة الجيل الخامس من خلال إصدار تعليمات لشركات الاتصالات بالتخلص من معدات الشركة الصينية بحلول عام 2027.

 

والملحوظ فى ردود فعل أوروبا تجاه الصين هو التباين والاختلاف الشديد بين دول القارة العجوز تجاه هذه المسألة، فهناك بعض الدول تهادن الصين وأخرى تهاجمها وثالثة على الحياد.


 

في استطلاع للرأي أجراه مركز أبحاث العلاقات الخارجية الأوروبية في يناير 2021 طُرح سؤال على المشاركين: ينبغي منع الشركات الصينية من؟ وعُرض عليهم أربع إجابات:

 

1- ينبغي منع الشركات الصينية من الانخراط في مشروعات البنية التحتية والموانئ والجسور في أوروبا.

 

2- ينبغي منع الشركات الصينية من شراء شركة تكنولوجية أوروبية.

 

3- ينبغي منع الشركات الصينية من شراء جريدة أوروبية.

 

4- ينبغي منع الشركات الصينية من شراء نادي كرة قدم أوروبي.

 

وكانت النتائج كالآتي: بلغاريا وإيطإلىا الأقل عدائية تجاه التواجد الصيني فى أوروبا، بينما كانت ألمانيا وفرنسا أكثر الدول المعادية للوجود الصيني.

 

نسبة الرافضين لدخول الصين فى المجالات الأربعة إلى إجمالي عدد المشاركين فى الاستطلاع

الدولة

1- البنية التحتية

2- التكنولوجيا

3- الصحافة

4- كرة القدم

ألمانيا

37 %

68 %

69 %

60 %

بلغاريا

20 %

26 %

35 %

27 %

المتوسط العام الأوروبي

38 %

46 %

52 %

38 %

 

على الرغم من الأزمات التي توالت على "هواوي"، لكنها أعلنت مؤخراً حصولها على عقود لبناء شبكات اتصالات الجيل الخامس في 30 دولة حول العالم حتى الآن، وأوضحت الشركة أنها أبرمت 46 عقداً في هذه الدول، وفقاً لما أوردت وكالة الصين الجديدة "شينخوا".

 

لكن معظم هذه العقود تم توقيعها مع دول ناشئة ونامية وليست غربية أو ديمقراطية، بل إن الدول الغربية التي سبق ووقعت مع هواوي سحبت توقيعها، كذلك من غير المتوقع فى أي وقت قريب أن تُرفع القيود الغربية عن هواوي بل على العكس تماماً، يبدو أنها في طريقها للتشديد والتصعيد مع ارتفاع أصوات المعارضين لبكين والمدافعين عن الأمن القومي الأمريكي والأوروبي.

 

أزمة تخفيض إلىوان

 

وبالعودة إلى أساسيات الاقتصاد الكلي، لو قامت أي دولة بتخفيض عملتها عن عمد فمثلاً سعرت الدولة أ العملة المحلية عند 5 وحدات أمام الدولار بدلاً من 3 وحدات أمام الدولار، أي أنها خفضت قيمة العملة بمقدار وحدتين، هذا يعني انخفاضاً مماثلاً في استيراد الدولة ب للسلع من الدولة أ، لأنني كنت أشتري بدولار واحد 3 وحدات وأصبحت الآن أشتري بنفس الدولار 5 وحدات؛ إذًا أنا كمستهلك في الدولة ب سأخطط لشراء كميات أكبر، فترتفع صادرات الدولة أ، وهذا ببساطة ما حدث في الصين.

 

اليوان الصيني قوي للغاية للدرجة التي من المستحيل أن يصدق أحد أن قيمته الحقيقية 7 يوانات مقابل الدولار في نفس الوقت الذي يبلغ فيه سعر صرف  اليورو 1.2 دولار رغم  أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني أضخم من نظيره الأوروبي بـ 2.2 تريليون دولار، ومع ذلك فارق سعر الصرف بين اليوان واليورو أمام الدولار شاسع للغاية.

 

الناتج المحلي مقابل سعر صرف الدولار

الدولة / التكتل

الناتج المحلي الإجمالي

(بالتريليون دولار نهاية 2020)

سعر صرف الدولار الأمريكي

(حتى 12 يوليو 2021)

الولايات المتحدة

20.8

1 = 1

اليورو

12.9

1 = 1.18

الصين

14.7

1 = 6.47

 

السياسة الجديدة مع بايدن

 

هناك ملامح سياسة جديدة تلوح في الأفق بين أوروبا والولايات المتحدة تحت مظلة الإدارة الديمقراطية لـ"بايدن"، حيث تجسدت هذه الملامح فى هدفين، أولهما عودة الود بين بروكسل وواشنطن، هذا الود الذي تلاشي فى عهد "ترامب"، وثانيهما هو تركيز الجهود على الصين، وهو ما اتضح فى قمة الناتو الأخيرة أثناء جولة "بايدن" الأوروبية والتي شملت بريطانيا وبروكسل وجنيف.

 

في قمة الناتو ببروكسل التي عُقدت يونيو الماضي بحضور "بايدن"، تحدث رئيس الوزراء البريطاني "جونسون" قائلاً: "عندما يتعلق الأمر بالصين، لا أعتقد أن أي شخص على الطاولة يرغب في الانزلاق إلى حرب باردة جديدة مع الصين، لكن أعتقد أن الناس ترى التحديات، إنهم يشاهدون الأشياء التي يجب أن نتصدى لها معاً".

 

هذه التصريحات وغيرها الكثير توحي بأن هناك خطة ما لتوحيد جهود الغرب الديمقراطي (شاملاً اليابان وكوريا) بوجه الصين وروسيا الآخذتين في التوحد والنمو بوجه الغرب الأوروبي والأمريكي، روسيا بقوتها العسكرية الشاملة والصين بقوتها الاقتصادية الصاعدة والصلبة.

 

 

يقول الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "ينس ستولتنبرغ" أثناء القمة: "الصين تقترب منا، نراهم في الفضاء الإلكتروني، نرى الصين في أفريقيا، ولكننا أيضاً نرى الصين تستثمر بكثافة في بنيتنا التحتية الحيوية" يقصد الموانئ وشبكات الاتصالات والجيل الخامس، يستكمل "ستولتنبرغ": "نحتاج للرد معاً كحلف".

 

ورغم أن كثيرين كانوا قد اعتقدوا بأن الرئيس الديمقراطي "جو بايدن سوف" ينقلب على سياسات سلفه "ترامب" والتي كانت معادية للصين، وأنه سوف يهادن بكين ويخفف من حدة الحرب الاقتصادية، إلا أنه على ما يبدو سوف تزداد سخونة الحرب في عهد "بايدن" فهي بعيدة كل البُعد عن التهدئة.

 

مصادر : مركز العلاقات الخارجية الأوروبية – بوليتيكو – كارنيجي – مركز أبحاث سي إس آي إس – بلومبرغ – صندوق النقد الدولي – ستاتيستا – مكتب الإحصاء الفيدرإلى

أخبار ذات صلة

0 تعليق