هكذا تدار الأزمات .. كيف خرجت "جونسون آند جونسون" من أزمة الدواء المسموم؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

خلال خريف عام 1982 ولأسباب غير معروفة قام مجهولون باستبدال كبسولات من مسكن الألم الخاص بشركة الأدوية الأمريكية "جونسون آند جونسون" والمعروف باسم "تيلينول إكسترا استرينس" بكبسولات أخرى بها مادة السيانيد السامة، قبل أن يعيدوا غلق بعض العبوات، التي قاموا بنشرها في عدة صيدليات ومخازن دواء في مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة.



للأسف اشترى عدد من المواطنين الأمريكيين العبوات المزيفة، مما أدى إلى وفاة سبعة منهم، لتدخل شركة "جونسون آند جونسون" المالكة للدواء في كابوس، فجأة وبدون سابق إنذار وجدت الشركة نفسها في مواجهة الرأي العام الأمريكي الغاضب الذي يريد أن يعرف كيف لدوائها الشهير أن يقتل الناس.


توسونامي إعلامي!


ما زاد من الضغوط الواقعة على الشركة هي التغطية الإعلامية للحدث، على سبيل المثال وضعت شبكة "سي بي إس" وجهًا إنسانيًا للحادثة؛ حيث قالت في تغطيتها: "عندما استيقظت ماري كيلرمان البالغة من العمر 12 عامًا في الفجر بينما تشعر بالبرد، أعطاها والدها جرعة من التيلينول، قبل أن ينام ويستيقظ في السابعة ليجد ابنته تحتضر على أرضية الحمام".


لم تركز وسائل الإعلام على الوفيات فحسب، بل غطت كل جوانب الحادثة، فعلى مدار هذه الأزمة تم عرض أكثر من 100 ألف قصة إخبارية منفصلة في الصحف الأمريكية تتحدث حول هذا الموضوع، إلى جانب مئات الساعات من التغطية التلفزيونية، وبفضل تلك التغطية الإعلامية، أشارت إحدى الدراسات إلى أن 90% من سكان الولايات المتحدة سمعوا بالوفيات المرتبطة بالتيلينول في الأسبوع الأول من وقوعها.



على الفور قام الرئيس التنفيذي للشركة "جيمس بيرك" بتشكيل فريق أزمة مكون من سبعة أعضاء، وكانت مهمة الفريق الأولى هي إيجاد طريقة لحماية الناس، بينما كانت المهمة الثانية هي محاولة الحفاظ على سمعة هذا المنتج، خصوصًا أن التيلينول كان مسؤولًا وحده عن 19% من أرباح الشركة؛ حيث كان يستخدمه أكثر من 100 مليون شخص في الولايات المتحدة.


أول ما فعلته "جونسون آند جونسون" هو تحذير الناس في كل مكان بالولايات المتحدة عبر وسائل الإعلام من استخدام أي عبوة من عبوات التيلينول، حتى يتم الوقوف على حقيقة الأمر، وفي الوقت نفسه قامت الشركة بسحب جميع عبوات الدواء الموجودة في شيكاغو ومحيطها من الصيدليات ومخازن الدواء، وبعد العثور على عبوتين ملوثتين، أمرت الشركة بسحب الدواء من كل ركن في الولايات المتحدة بلا استثناء.


صحة المستهلك أولًا


أعلنت الشركة أنها ستنفق نحو 100 مليون دولار لسحب كبسولات التيلينول من السوق وتغطية بعض النفقات الأخرى الناشئة عن الكبسولات الملوثة، وأوضحت "جونسون آند جونسون" أن هذه التكاليف قد خفضت صافي دخل الشركة خلال الربع الثالث من عام 1982 بنحو 25.7% ليصل إلى 96.5 مليون دولار أو 61 سنتًا للسهم.


قيام "جونسون آند جونسون" بسحب 31 مليون عبوة من عبوات التيلينول رغم ضعف احتمال اكتشاف المزيد من العبوات الملوثة أعطى للرأي العام الأمريكي انطباعًا بأن الشركة تضع سلامة الجمهور قبل مصالحها التجارية حتى لو كلفها ذلك ملايين الدولارات، وساعد ذلك على أن ينظر الجمهور إلى التيلينول باعتباره ضحية لجريمة كيدية.



في الوقت نفسه، حرص كبار المسؤولين في الشركة على حضور جنازات الضحايا، لتبرز وسائل الإعلام الأمريكية تأثر وبكاء بعضهم هناك، وهو ما ساهم كثيرًا في تحسين صورة الشركة أمام الشعب الأمريكي وفي القلب منه أسر الضحايا، الذين بدأوا ينظرون إلى الشركة باعتبارها ضحية وليست مذنبة.


بعد أن سحبت كل الكميات المتاحة في السوق من التيلينول قامت "جونسون آند جونسون" بإعادة طرح الدواء في عبوات أكثر آمانًا لا يمكن العبث بها، ليصبح التيلينول أول دواء في الولايات المتحدة يتم تعبئته في عبوة مقاومة للعبث.


في غضون عام واحد فقط


توقع كثير من المراقبين ألا تتجاوز "جونسون آند جونسون" هذه الأزمة خصوصًا أن الضربة جاءت في درة تاجها وهو دواء التيلينول الذي كانت له الحصة الأكبر في سوق المسكنات الأمريكي، ولكن بعد شهرين فقط من بداية الأزمة عاد الدواء إلى السوق من جديد وأطلقت الشركة حملة إعلانية ضخمة صاحبت نزوله السوق.


بعد عام واحد فقط من نزوله السوق، ارتفعت حصة التيلينول في سوق المسكنات الأمريكي البالغة قيمته في ذلك الوقت نحو 1.2 مليار دولار من 7% فقط عقب الأزمة إلى 30%، وهي النسبة التي اقتربت كثيرًا من حجم حصته قبل الأزمة مباشرة والتي كانت تقترب من 37%.



في سوق الأسهم أيضًا تعافت "جونسون آند جونسون" سريعًا، فبعد أن عاش المساهمون فترة مثل الكابوس شاهدوا فيها انهيار السهم إلى مستويات غير مسبوقة، تمكن السهم من الارتداد سريعًا ليتم تداوله قرب أعلى مستوى له في 52 أسبوعًا بعد شهرين فقط من بداية الأزمة.


منذ ذلك الحين أصبحت أزمة "جونسون آند جونسون" مثالًا يحتذى به في كيفية إدارة الأزمات والتواصل مع الجمهور الغاضب وتهدئة مخاوفه، حيث تدرس هذه الواقعة في أغلب كليات ومدارس الأعمال في جميع أنحاء العالم.


المصادر: أرقام – نيويورك تايمز – واشنطن بوست – هارفارد بيزنس ريفيو

أخبار ذات صلة

0 تعليق